هل يجوز العمل في بنك ربويّ أو في حراسة فضاء يبيع بضائع محرّمة لكنّها قليلة في جانب البضائع الحلال التي يبيعها ؟
أمّا العمل في البنك فلا يجوز بحال لأنّ أغلب معاملات البنك ربويّة أو هو متمحّض للحرام، ولهذا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال : ( هم سواء ) رواه مسلم.
وأمّا العمل في محلّ غير متمحّض للحرام مثل الفضاءات الّتي تبيع بضائع محرّمة وأخرى حلالا؛ فهذا يُنظر فيه لحكم الغالب، فإن كانت أغلب البضائع المعروضة هناك = حلالاً، فلا بأس في العمل فيه عملا ليس فيه مباشرة بيع نفس البضائع المحرّمة ولا حملها لغاية البيع ولا قبض أثمانها ولا نحو ذلك ممّا يتعلّق بالمعاملة المحرّمة في ذاتها، وعليه يكون العمل في حراسة فضاء أغلب بضائعه حلال = جائزًا ، وذلك لأنّ ( الاعتبار في الفقه هو بالأغلب الكثير، ولا حكم فيه للنّادر القليل ) باتّفاق الفقهاء، ومن أدلّة ذلك عندهم أنّ الله تعالى لم يراع في حكم الخمر والميسر ما فيهما من المنافع لقلّة منافعهما في جنب المفاسد فحرّمهما، قال تعالى : (( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )) ، وكذا جعل تعالى الاعتبار في تقدير الطّعام في الكفّارة بالغالب الشّائع في العرف فذكر أنّها (( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ))، وكذا حكم الشّرع بأنّ الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه، وفي الحديث أيضًا : ( إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث )، فاعتبر بالغالب ، بل الفقه نفسه هو الظن الغالب؛ فإنّه اجتهاد؛ وهو ترجيح ما يُري من بين احتمالات ومعان عِدّة أنّه الرّاجح، فيُقضى فيها بالظنّ الغالب، ولا يُطلب الوصول لليقين التّامّ في عامّة الأحكام .
وأمّا ما يُفتي به بعض المعاصرين من تحريم العمل في حراسة الفضاءات التّي تبيع قلّة من منتجات محرّمة بداعي التّلازم بين العمل فيها وبين إقرار المنكر والرّضا به فهذا زعم باطل، إذ لو سُلّم بصحّة بالتّلازم بين العمل هناك وبين أصل إقرار البيوع الحاصلة في ذلك الفضاء والرّضا بها لكان هذا الإقرار منصرفًا لغالب البيوع والرّضا بها لا لإقرار القليل النّادر والرّضا به إلّا فيما يباشر فيه العامل معاملة محرّمة بنفسها كما تقدّم، والله تعالى أعلم .