267      14181
  • لماذا فلوس العاملين في البنوك حرام؟
  • محمد سالم بحيري
    محمد سالم بحيري
    فقه شافعي.. تحقيق التراث
  • لماذا فلوس العاملين في البنوك حرام؟
    الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، أمَّا بعدُ؛
     
    قبل التفصيلِ في حكم وظائف البنوكِ = فقد سبق بيانُ أنَّ عامَّة أعمالِ البنك = داخلة في نطاقِ المحرَّم في الشريعة.
     
    فالقروضُ التي تعطيها البنوكُ للعملاءِ = قروضٌ ربويّة بلا شكٍّ، ذلك أنَّ العميلَ يقترضُ من البنكِ مبلغًا ماليًّا بشرطِ أن يردَّه مع زيادةٍ محدَّدةٍ سلفًا، وهذا ربا صريحٌ محرَّمٌ.
     
    وأمَّا الحسابات فلا يخرج عن نطاق التحريم فيها إلا الحسابُ الجاري، أي: حسابٌ بدون فائدة يسمح لك بإيداع وسحب النقود في أي وقت.
     
    أما حسابات التوفير والودائع لأجلٍ وشهادات الاستثمار = فربا صريحٌ، لا يستريبُ في ذلك فقيهٌ.
     
    وأما عن وظائف البنوك فالتأصيل الفقهي يقتضي تقسيمُها إلى ثلاثة أقسامٍ:
     
    القسمُ الأوَّل: وظيفة يتمحَّضُ فيها التحريم، أي: يقومُ عملُ الموظَّفِ على عملٍ محرَّمٍ، وهذا عملُه محرَّم، ومالُه كلُّه حرامٌ.
     
    ومثالُ هذا القسم: موظفٌ مسئولٌ عن القروضِ الربويّة أو حسابات التوفير ونحو ذلك من المعاملات المحرَّمة.
     
    القسمُ الثاني: وظيفة يتمحضُ فيها الحل، أي: يقومُ عملُ الموظفِ على عملٍ قد أحلَّته الشريعة، وهذا مالُه كلُّه حلالٌ.
     
    ومثال هذا القسمِ: موظف مسئولٌ عن الحوالات.
     
    القسمُ الثالث: وظيقة يختلط فيها العمل المحرم بالحلالِ، وهذا عملُه في البنكِ محرَّمٌ، ولكن مالُه مختلطٌ.
     
    ولكن هذا تأصيلٌ فقهيٌّ مجرَّد.
     
    ولكن إذا نظرنا إلى الواقعِ في البنك نجد أنه لا يوجد وظيفة يقومُ عملُ الموظفِ فيها على حلٍّ خالصٍّ.
     
    ذلك أنَّ الموظف في البنك غالبًا تسند إليها مهامٌ، بعضها داخلٌ في نطاق الحلِّ (كالحوالات والحسابات الجارية)، وغالبها داخلٌ في نطاق التحريم (كالقروض وحسابات التوفير ونحو ذلك).
     
    فالنظام الوظيفي البنكي يتكون من عدَّة وظائف، عامَّتها يختلط فيها العملُ المحرَّم بالحلالِ.
     
    مثلًا:
     
    1- خدمة العملاء (Customer Service): وهذا الموظف أول من يلقاكَ غالبًا في البنك بعد موظف الأمن، وطبيعة عملِه استقبال العملاء وسؤالهم عن حاجتهم، فإن كان الأمرُ يتعلَّق بحوالة استخرجها لك من الجهاز برقمها وبياناتك، وأعطاك رقمًا لتجلس فتنتظر لتستلمها من موظف آخر، وهو الصَّراف (Teller) .
     
    إلى هنا جيّد، وهذا حلالٌ.
     
    ولكن من ضمن مهامِّه أيضًا ما يتعلق بأصحاب الحسابات أو من يريدون فتح حسابات أو أخذ قروض، فإنهم يقومُ بدلالتِهم، فإنه يدلُّهم على الأنظمة المتاحة في البنك.
     
    وهذا الجزءُ المحرَّم؛ لما فيه من الإعانة على القروض الربويّة.
     
    طبعًا؛ أنظمة البنوك في ذلك مختلفة، ولكن هذا حالُ وظيفة (خدمة العملاء) في عامّة البنوك.
     
    الخلاصة في حكم هذه الوظيفة: أنَّ أصل العملِ محرّمٌ؛ لأنَّ مقتضى الوظيفة الإعانة على محرَّم (كالقروض الربوية والحسابات الربوية)، أما المال فمختلط؛ لوجود جزءٍ حلال في العمل وإن كان يسيرًا.
     
    2- ومن هذه الوظائف: الصَرَّاف (Teller): وهذا الموظف لو كان مسئولًا عن شئون الحوالات فقط لكان عملُه حلالًا، وأجرُه حلالًا، ولكن الإشكال أنه لا يكون مسئولًا عن الحوالات فقط، بل يكونُ كذلك متعلقًا بالسحب والإيداعِ من وفي الحسابات الشخصيّة الربوية.
     
    فهذا العملُ محرَّمٌ أيضًا؛ لأنَّ مقتضاهُ الإعانة على فعلِ المحرَّم؛ كالإيداع في الحساب الربوي، وقد قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لعنَ الله آكل الرِّبا وموكله وكاتبه وشاهديه)، فلم يجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم اللعن قاصرًا على طرفي المعاملة، بل على كاتبها كذلك (الموظف المسئول).
     
    ولا شكَّ أن فتح الحساب والإعانة على السحب منه أو الإيداع فيه كلُّ ذلك داخلٌ في الإعانة على المحرَّم، وقد قال الله سبحانه: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، وهذا تعاونٌ على إثمٍ بلا شكٍّ.
     
    3- ومثلُه كذلك الـ(Head Teller)، وهو رئيس الصرَّافين ومراقب لهم، ويختلط في عملِه الحلالُ بالحرام، من عملِه الحلالِ غالبًا: التصريح على الحوالات، وبعضُ عملِه داخلُ في نطاق المحرَّم.
     
    أما نائب المدير فعلمُه رقابيٌّ على جميع ذلك، ومثله مدير الفرع، ولكن رقابة النائب ألصق
     
    هذه عامّة وظائف البنك يختلطُ فيها العملُ المحرَّم بالعمل الحلال.
     
    وعليه فالخلاصة في نقطتين:
     
    1- العملُ في البنك محرَّمٌ إلا في عملٍ محكوم عليه بالحلِّ دون أن يختلط به محرَّمٌ؛ كأن يكون الموظف مسئولًا عن الحوالات فقط أو الحسابات الجارية، أما إذا كان مسئولًا عن أعمال حلال مع أعمالِ محرَّمة (كحسابات التوفير أو القروض الشخصية أو خدمة العملاء) فالعمل محرَّمٌ.
     
    2- التكييف الفقهيّ للمال يبنى على العمل، فإن كان العملُ المطلوب من الموظف حلالًا (كالحسابات الجارية والحوالات) = فمالُه حلالٌ، وإن كان العملُ المطلوب من الموظف كله حرامًا (كالقروض الربوية) فمالُه حرامٌ خالص، وإن كان العمل المطلوب منه بعضه حرامٌ وبعضه حلالٌ فماله مختلط (بعضُ ماله حرام، وبعضُ حلال) .
     
    ومن أرادَ التفصيلَ في حكم فوائد البنوك والردِّ على من أباحها بشبهات تالفةٍ غير معتد بها عند الفقهاء = فليرجع إلى كتاب «التعامل التجاري في ميزان الشريعة الإسلاميّة» لأستاذنا الدكتور يوسف قاسم رحمه الله، أستاذ الشريعة الإسلامية في كليّة الحقوق بجامعة القاهرة، وهو من أفضل ما ألف في الباب،
     
    وكان أستاذنا رحمه الله يدرِّسه لنا في الدراسات التمهيديّة للماجستير (بدبلوم الشريعة الإسلامية)، وأظنه ما زال يدرس إلى الآن بعد وفاته رحمه الله، وعلى أي حالِ فقط طبعته دار النهضة العربيّة، وهو موجود في مكتبة كلية الحقوق بجامعة القاهرة.
     
    والله تعالى أعلى وأعلم.